الشيخ محمد هادي معرفة

18

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقرأ أبو جعفر والبصريّون : « وَإذ وَعدنا مُوسى أَرْبَعينَ لَيْلَةً » « 1 » في سورة البقرة وفي الأَعراف وطه بلا ألف ، لأنّها هكذا كتبت . وقرأ الباقون « وَإِذْ واعَدْنا » . « 2 » وقرأ أبو عمرو وابن كثير : « بَلِ أَدْرَكَ » . وقرأ الباقون : « بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ » « 3 » وسبب الاختلاف أنّها كتبت في المصحف بلا ألف ، فقرأ كلّ حسب نظره فيما رآه مناسبا . « 4 » وقرأ نافع : « في غياباتِ الْجُبِّ » . « 5 » وقرأ الباقون : « فِي غَيابَتِ الْجُبِّ » « 6 » نظرا لأنّ المصحف كان مجرّدا عن الألف هكذا : « غَيبَتِ » ، فاجتهد نافع فزعمه جمعا . واجتهد الآخرون فرأوه مفردا . والمفروض أنَّ رسم المصحف كان خلوا من الألف مع مدّ التاء مطلقا غالبيا ، ومن ثمّ هذا الاشتباه والاختلاف . تلك وأشباهها عوامل أوّليّة لالتباس قراءة النصّ ، وكان فاقدا لأيّ علامة مائزة ، وخاليا من النقط والشكل ، ومشوّشا في رسم خطّه بحذف أو زيادة ، فكان ذلك لا محالة موجبا للتشويش على القارئ ، فلم يكن يدرى - مثلًا - أنّ قوله تعالى : « لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً » « 7 » أنّها بالفاء أو بالقاف . أو أنّ قوله : « تَبْلُوا » « 8 » أنّها « تتلو » بتاءين ، أو « نتلو » بنون ثمّ تاء ، أو « يتلو » بياء ثمّ تاء . أو أنّ قوله : « يَعْلَمْهُ » أنّها « نعلمه » أو « تعلمه » أو « بعلمه » . أضف إلى ذلك بعض الزيادات المُخلّة بالمقصود ، إذ لم يكن القارئ عارفا بأصل النصّ من سماع خارج . كما في قوله : « لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ » « 9 » فزادوا ألفا أثناء كلمة واحدة « 10 » « لأاذْبحنَّه » ، فربّما يحسب القارئ الجاهل بالواقع أنّها « لا » النافية ، في حين أنّها لام تأكيد ، والهمزة حرف المتكلّم والألف زائدة .

--> ( 1 ) - البقرة 51 : 2 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 108 . ( 3 ) - النمل 66 : 27 . ( 4 ) - الكشف ، ج 2 ، ص 164 . ( 5 ) - يوسف 10 : 12 . ( 6 ) - الكشف ، ج 2 ، ص 5 . ( 7 ) - يونس 92 : 10 . ( 8 ) - يونس 30 : 10 . ( 9 ) - النمل 21 : 27 . ( 10 ) - شرح مورد الضمآن ، ص 181 .